بيانات

إيدلمان وأوكسفام: أفول الديموقراطية؟

على مدى عقدين، داومت مؤسسة إيدلمان الأميركية على نشر تقريرها عن مقياس الثقة في الهيئات الحكومية وقطاع الأعمال حول العالم، بشكل سنوي. الأرقام المعلنة قبل يومين، تؤكد تراجعاً عالمياً في الثقة في الأنظمة الديموقراطية واقتصاداتها، عززه وباء كورونا.

فللعام الثاني على التوالي، تنخفض ثقة مواطني الدول الغربية في حكوماتهم. وبين 28 دولة تم مسحها، كانت ألمانيا أكبر الخاسرين، بفقدان 7 نقاط وهبوط نسبة الثقة في مؤسساتها إلى 46 في المئة، تليها استراليا التي فقدت 6 نقاط وإن ظلت معدلات الثقة فيها أعلى من النصف، بنسبة 53 في المئة. وخسرت كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة 5 نقاط، مقارنة بالعام الماضي، لتهبط معدلات الثقة في مؤسساتها إلى 42 في المئة و43 في المئة بالترتيب. في المقابل، حصدت الصين المكاسب الأعلى، بارتفاع معدلات ثقة مواطنيها في مؤسساتها العامة، بقفزة 11 نقطة، لتصل إلى 83 في المئة، وجاءت دولة الإمارات في المرتبة الثانية مع 9 نقاط إضافية إلى معدلات الثقة في مؤسساتها، لتصل إلى 76 في المئة.

كغيره من المسوح الإحصائية، يمنحنا بارومتر إيدلمان للثقة، القليل من التفسيرات. إلا أن أداء مؤسسات الولايات المتحدة الصحية، في مواجهة الوباء على سبيل المثال، وتصدرها أرقام الوفيات حول العالم، ومقارنتها بسياسة الصفر إصابات التي اتبعتها الصين، كافية لتفهم الفارق الشاسع في معدلات الثقة المحلية في البلدين. لكن هل تبرر تلك الأرقام ادعاء تراجع الثقة في الدول الديموقراطية لصالح قفزة في معدلاتها في الدول “الاستبدادية”، كما ذهبت تقارير وسائل الإعلام الغربية؟

يمنحنا التقرير المزيد من التلمحيات. فسؤال حول مدى ثقة المشاركين في أن يكون الوضع الاقتصادي لأُسَرهم أفضل حالاً بعد خمسة أعوام، جاءت الإجابة عليه بنعم بنسب تراوحت بين 20 و40 في المئة، في الدول الديموقراطية في العالم الأول، أي بمتوسط أقرب إلى الثلث فقط، وهبطت اليابان إلى القاع بنسبة 15 في المئة. في المقابل، أشار المسح إلى ثقة ثلثي المواطنين الصينيين في المستقبل الاقتصادي لبلادهم واستقرار سياستها العامة.

لكن تلك التفاوتات لا تتعلق بثنائية الديموقراطية والاستبداد بالضرورة. فثقة الهنود في الوضع المادي لأُسرهم، تجاوزت الصين، بنسبة ثقة هي 80 في المئة. ومن تلك النتائج، يمكن التخمين أن تلك المعدلات لا ترتبط فقط بمعدلات النمو الاقتصادي الإجمالية، بل أيضاً بمدى انعكاس تلك المعدلات على دخول الأفراد ومستوى معيشتهم، وهي العلاقة التي تبدو إشكالية اليوم في دول العالم الأول.

فبحسب تقرير منظمة “أوكسفام” الخيرية عن عدم المساواة، الصادر قبل يومين، دفعت التبعات الاقتصادية للوباء إلى تعميق التفاوتات الاجتماعية. فالرجال العشرة الأغنى حول العالم، ضاعفوا ثروتهم منذ آذار/مارس 2020، ومن غير المفاجئ أن يكون 8 من هؤلاء من الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، تضرر من الناحية الاقتصادية، 99 في المئة من سكان العالم.

كانت التقاريرالسابقة على الوباء، تشير إلى منحى عالمي يعزز مستويات اللامساواة، إلا أن التقرير الأخير يشير، بشكل لا يدع مجالاً للشك، إلى انسداد الأفق في رأسماليات العالم الأول. فبينما لدى الغالبية الساحقة من سكان الهند والصين أمل في مستقبل اقتصادي أفضل في المدى المتوسط، فإن أقل من الثلث من مواطني العالم الأول لديهم ثقة في المستقبل، في ظل التراجع المستمر في الدخول الحقيقية ومستويات المعيشة، لصالح تراكمات هائلة في الثروة لفئة الواحد في المئة.

يبدو تدهور الثقة في الديموقراطية أمر واقعاً، وفي العالم الأول على وجه الخصوص. لكن ذلك التراجع لا يمكن نسبته إلى مجرد قصور في الآليات الديموقراطية، أو مدى كفاءة مؤسساتها في مواجهة الوباء مقارنة بغيرها، بل على الأرجح يمكن إرجاعه إلى نموذج اقتصادي بعينه، وموقع على منحنيات تراكمه الرأسمالي. نموذج تتبناه بدرجات متفاوته ديموقراطيات العالم الأول، وتفرضه على مستوى معولم، بوصفه أحد أركان الديموقراطية أو وجه من وجوهها. هكذا، تحمل الديموقراطية تبعات الاقتصادي، وتوصم علامات عدم الرضا تجاهه بتهمة أفول الديموقراطية.

شادي لويس – كاتب وباحث مصري
نقلاً عن صحيفة المدن – بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى