
تقرير عن إعادة إعمار حي جوبر الدمشقي
نشارك هذا التقرير الصادر عن التجمع الديمقراطي المدني حول قضية إعادة إعمار حي جوبر الدمشقي والصادر بتاريخ 30 آب 2026 ، لما يطرحه من قضايا تتجاوز حدود الإعمار إلى حقوق الملكية والعودة، وحق الأهالي في المشاركة بالقرارات التي تحدد مستقبل مناطقهم.
وتبرز في قضية جوبر أهمية أن تكون عملية إعادة الإعمار قائمة على حماية حقوق السكان وإشراكهم في صياغة مستقبل مدنهم وأحيائهم. كما نرى أن تجربة أهالي جوبر في تنظيم جهودهم والدفاع عن حقوقهم تستحق الإضاءة والمتابعة.
نص الدراسة:
السردية قبل التحرير:
أصدرت محافظة دمشق في 28 حزيران لعام 2022م المخطط التنظيمي التفصيلي رقم /106/ لتعديل الصفة العمرانية للمناطق العمرانية في جوبر والقابون ومسجد أقصاب بدمشق وعربين وزملكا وعين ترما، من منطقة حماية وزراعية داخلية وتوسع سكني إلى مناطق قيد التنظيم.
ووفق تقرير صادر عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” يعتبر مخطط تنظيم منطقة جوبر أحد أشكال استكمال سياسة الحكومة السورية البائدة التي تهدف الى الاستيلاء على أملاك السوريين العقارية، كون معظم سكان المناطق التي شملها المخطط التنظيمي رقم /106/ هم من النازحين داخلياً أو لاجئين.
وقد أشار التقرير إلى أن طرق ” تنظيم المناطق العقارية / المنظمة سابقا أو غير المنظمة ” هي جزء من سياسة أوسع تهدف إلى إعادة الهندسة الاجتماعية في عدة مناطق في سوريا وعلى نحو خاص تلك المناطق التي عرفت بمعارضتها العسكرية والسياسية في العاصمة دمشق ومحيطها، ما دفع النظام لإصدار عدة مراسيم ابتداءً بالمرسوم 66 لعام 2012 ولاحقاً القانون رقم 10 لعام 2018 وبعده المرسوم التشريعي رقم 237 الذي نص على إحداث مناطق تنظيمية في مدخل دمشق الشمالي “حرستا ” مروراً بالقابون فير دمشق.
السردية بعد التحرير:
لا تكمن الإشكالية القانونية في مشاريع إعادة تنظيم أحياء شرق دمشق الشرقية (جوبر والقابون) في مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل بمدى احترام جوهر حق الملكية والحفاظ على البنية المجتمعية.
فقد طرحت محافظة دمشق عروضاً تفاوضية لإعادة إعمار المنطقة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية دون مخططات تنظيمية، وهو ما رد عليه الأهالي بأنها تعدٍّ على ملكياتهم، وهذا كله مع اتسام هذه العروض بغياب الشفافية من قبل محافظة دمشق والحكومة السورية في ملف إعادة إعمار المناطق المدمرة وتعويض أصحابها.
في منتصف آذار للعام 2026 عقد محافظ دمشق ماهر مروان اجتماعات مع عدد من أهالي أحياء شرق دمشق المدمرة وأعلن خلال الاجتماع عن مشروع استثماري عقاري بقيمة تصل إلى 21 مليار دولار أميركي ستنفذه شركات عربية وأجنبية.
وبحسب المحافظة يحصل مالكو العقارات في الأحياء الثلاثة (جوبر والقابون وحي تشرين) على تعويض نسبته 50 بالمئة من مساحة الأرض للعقارات السكنية و30 بالمئة للأراضي الزراعية (المخالفات). أي أن صاحب العقار يحصل على سكن بديل يعادل نصف مساحة ملكيته العقارية و30 بالمئة للأراضي الزراعية أو المباني المبنية عليها.
وقد أثارت العروض التي قدمتها المحافظة موجة غضب واسعة لدى السكان، واصفين المشروع بأنه استيلاء على أملاكهم وأنه لا يختلف عن القوانين والمراسيم التي أصدرتها العصابة الحاكمة في ظل الأسد المجرم، والتي تسببت بفقدان الكثير من السوريين لملكياتهم العقارية مثل المرسوم “66” والقانون رقم /10/.
ومع استمرار معاناة الأهالي مع مرور الأشهر وعدم التقدم بالملف أو طرح أي مخطط تنظيمي بشكل رسمي من قبل محافظة دمشق، تم التنسيق لعقد اجتماع لممثلين عن عوائل جوبر بغية البحث عن حلول لهذه المعاناة المستمرة واتخاذ موقف جامع لأهالي جوبر بغالبيتهم، وعقد هذا الاجتماع في 22/5/2026 وبحضور ما يقارب 200 شخصية من أهالي الحي تحت عنوان “المجموعة الشعبية بحي جوبر ” ضمن شروط معينة حرص المنظمون على مراعاتها بعد حادثة مسجد حذيفة بن اليمان.
وقد أعلنوا من موقعهم بأن اجتماعهم لا لفرض الرأي ولا لادعاء تمثيل جميع أهالي حي جوبر، بل لقول كلمة ذات مسؤولية وضمير في هذه المرحلة الدقيقة من عمر سوريا، والتي تحتاج للحكمة والعقل وقوة الطرح بعيداً عن الادعاءات والإشاعات والسب والتخوين.
وقد جاء في اجتماعهم الموثق بالصوت والصورة والمنشور للعموم بأنه يوجد أمام حي جوبر مساران أساسيان مطروحان للنقاش:
الأول: إعادة الإعمار وفق المخطط التنظيمي لعام 1994 المحدث فنياً والذي يقسم جوبر لأربعة أقسام (تنظيم بلدة قديمة – تنظيم ك – تنظيم المنطقة الرابعة – منطقة لم تكن منظمة، بل كانت أراض زراعية يمكن تنظيمها ويمكن تطوير هذه الأقسام بما يعود بالمصلحة على الجميع) ويعتبر ذلك بالنسبة لغالبية الأهالي هو الأقرب للحفاظ على الملكيات الخاصة، وتسريع عودة الأهالي الى بيوتهم، والحفاظ على النسيج الاجتماعي للحيوالبنية الثقافية الدمشقية العريقة، وإعادة الحياة للأسواق القديمة والمساجد والمعالم التاريخية الموجودة في حي جوبر.
الثاني: الدخول في مشروع استثماري تم طرحه عبر محافظة دمشق عن طريق المستثمر القطري ممثل بشركة UCC (الخياط) والذي صوحب بوعود من المحافظة بجعل جوبر منطقة بناء حديث يتماشى مع اسم العاصمة دمشق، وبأنه سيتم رفع قيمة العقارات بجوبر ….. الخ، وهو مجرد كلام لا يحمل جدية وبعيد عن الشفافية.
وأعلنت المجموعة بأنها لا تقف بوجه أحد ولا ترفض أي فكرة بشكل مطلق، بل تحاول أن تزن الأمور بميزان العقل والمصلحة الحقيقية لأهالي الحي مع الخفاظ على مكانة الحكمومة والقيمة التشاركية معها، والواقع الحالي لجوبر وحجم الدمار يفرض هذا الحديث العقلاني.
ومن باب الإنصاف فإن أي مستثمر قوي قد يقدم نقاطاً إيجابية مهمة ومنها:
- تأمين تمويل كبير لإعادة الإعمار.
- تطوير البنى التحتية والخدمات.
- إدخال مشاريع وفرص عمل واستثمارات جديدة.
- تنفيذ تنظيم عمراني حديث يليق بالعاصمة دمشق.
ولكن بالمقابل هناك مخاوف حقيقية ومشروعة عند أهالي الحي وأهمها:
– الحرص الشديد على مصير الملكيات الخاصة.
– الحذر الكبير من طول مدة إنجاز المشروع.
– غياب الوضوح حول آلية عودة الأهالي.
– الخشية من ضياع هوية الحي الاجتماعية والتاريخية واندثار معالمه.
وهنا يجب أن تكون الحكمة حاضرة لأن القضية ليست رفضاً لإعمار أو رفضاً لتطوير، بل البحث عن ضمانات واضحة لحفظ حقوق الناس وكرامتهم ومستقبل أولادهم مع أهمية صون النسيج.
وقد وضحت المجموعة الشعبية في هذا اللقاء أن المعيار الحقيقي لأي حل في جوبر يجب أن يكون حسب ما يلي:
هل سيعود أهالي جوبر الى حيهم بكرامة؟ هل ستحفظ الملكيات والحقوق؟ هل سيبقى أهالي الحي موجودين على أرضهم وفي مدينتهم؟ هل سيكون الإعمار لمصلحة الناس أم على حسابهم؟ هل ستراعى قيمة النسيج والحفاظ عليه؟ هل تؤمن المحافظة بالتشاركية؟
اللقاءات مع المحافظة:
وهنا لا بد من التذكير بأنه بعد التحرير بأيام اجتمع عدة مهندسين من أهالي الحي بنسبة جيدة، وبعد عدة اجتماعات ومناقشات لمدة امتدت لحوالي الثلاثة أشهر وخرجت من هذه الاجتماعات فكرتان أساسيتان وهما: المخططان التنظيميان المطروحان للنقاش على أهمية اختلافهما من حيث التفاصيل.
ثم تم التوجه إلى اللقاءات والاجتماعات مع المحافظة والتي لم تتحقق بسهولة، وبداية تم لقاء محافظ دمشق وقد خرج المجتمعون من هذا اللقاء بخلاصة مفيدة جداً في تلك الفترة وهي أن قرار حي جوبر هو قرار مشترك بين المحافظة وأهالي الحي وبهذا يتحقق التوازن من خلال لجنة ارتباط مكونة من أحد عشر شخصاً وقد استمرت اللقاءات من قبل مجموعة من لجنة الارتباط والمحافظة لغاية الشهر الثامن من عام 2025 دون التقدم بأي شيئ، وأصبح الوضع بحاجة لاتخاذ قرار وتغيير طريقة العمل، مع الملاحظة بأن الوقت الممتد من الشهر التاسع 2025 ولغاية اليوم هو إضاعة للوقت من قبل المحافظة ومماطلة لتمرير صيغة غيرر واضحة وغير شفافة.
علماً بأن المحافظ والمحافظة أعلنا طوال هذه الفترة بأن خيار المستثمر هو المقرر، نتيجة عدم وجود قدرة مالية للدولة للقيام بتمويل إعادة إعمار جوبر. وعليه فإن القيادة الشعبية أعلنت مرات عدة بأن أهالي الحي قادرين على إعادة الإعمار بدون الاضطرار لشركات خارجية.
الاجتماع الثالث للقيادة الشعبية لإعادة إعمار حي جوبر (الذي ضم أكثر من 400 شخص من ممثلي عوائل الحي) بتاريخ 2/7/2026:
بعد بروز سلوك المحافظة الاستعلائي والمماطل وغير الشفاف تم اجتماع 6 أشخاص من أهالي الحي للتحضير للعمل الجديد الشعبي وتثبيت القضية بشروط عدة: العمل شعبياً وألا يكون أي شخص يعمل مع المحافظة أو الحكومة من جملة المدعوين أو المنظمين للفصل بين الحالة الشعبية والحالة الحكومية، ثم تم رفع العدد إلى 15 شخصاً من اللقاء الثاني ارتفع إلى 31 شخصية.
وفي الثالث تم تثبيت أربعة مبادئ لا يمكن الحياد عنها وهي: العدالة، الشفافية، التشاركية، والحفاظ على النسيج المجتمعي للحي. ومن هذا المنطلق ترى القيادة الشعبية بأن المخطط التنظيمي لعام 1994 المحدث فنياً ينال موافقة غالبية أهالي حي جوبر وهو برأيهم الأقرب لتحقيق العدالة لأنه يحافظ على الملكيات الخاصة ويصون الحقوق ويحمي النسيج الاجتماعي للحي.
وفي الوقت نفسه فإن التمسك بهذا المخطط لا يعني رفض التطوير، بل على العكس تماماً فهم يؤمنون بضرورة تحديثه وفق أحدث المعايير الهندسية والعمرانية بما يواكب احتياجات الحاضر ويحقق نهضة عمرانية تليق بالعاصمة دمشق، دون أن يكون ذلك على حساب حقوق الأهالي ونسيجهم.
مع الاستعداد الكامل للتشارك مع المحافظة وجميع الجهات المختصة للإسهام بالوصول لأفضل الحلول لإيمانهم بأن الحوار المسؤول لا يؤخر التنمية، بل يعزز نجاحها ويمنح المجتمع ثقة بأنه شريك فعلي في صناعة مستقبله.
وتريد القيادة الشعبية من المحافظة إصدار المخطط التنظيمي وإن لم تكن المحافظة قادرة على ذلك فإن أهالي الحي يملكون القدرة والإمكانية لإصدار مخطط للحي وبأفضل الطرق، شريطة الجدية وعلنية العلاقة مع المحافظة وضبط الزمن.
وإن أهالي الحي أمام خياران للمخططات:
الأول: معلوم بأدق تفاصيله وأفكار تطويره واضحة جداً وتعود بالمصلحة العامة على الجميع (الحكومة – أصحاب الأرض – المستثمر – النسيج الاجتماعي) وقابل للتنفيذ الآن وبأقرب وقت
الثاني: غير معلوم ولا نعرف عنه شيء فهو غير معلن وكل الكلام حوله عبارة عن تسريبات وبصيغة (القيل والقال) وهذا بعد سنة وسبعة أشهر.
ومن غير المسموح أن تتم المناقشة بأي جزئية في المخطط الثاني والدعوة للتفاوض عليه بدون إصداره من قبل المحافظة رسمياً أو إعلان مبادئه، ولذلك فإن رسالة القيادة الشعبية في إعادة الإعمار هي:
الحفاظ على النسيج المجتمعي للحي عبر:
– ضمان عودة 160 ألف شخص من أهالي الحي إليه.
– حي جوبر قبل تهديمه كان يحتوي حوالي 20000 شقة سكنية مساحتها مجتمعة 2 مليون متر مربع تقريباً وهذا مطلب لا يمكن التنازل عن إعادة تأمينه لضمان إعادة الحقوق لأهلها.
– الحفاظ على المساجد والأسواق والمقابر.
– الربط بين دمشق والغوطة الشرقية عبر حي جوبر واسقاط المخطط الفرنسي الذي بات عمره 106 سنوات.
الحفاظ على الحقوق: بعد ضمان إعادة اعمار 2 مليون متر مربع نريد أن نعلم كم متراً تريد المحافظة أو المستثمر ومقابل ماذا؟ والمتبقي من مساحة الحي لمن سيكون ومقابل ماذا؟
الزمن: وهو الأهم بالنسبة للأهالي للتخفيف من معاناتهم اليومية.
مع التأكيد على قدرة أهالي الحي على الإعمار وتمويل المشاريع حتى وإن كانت الحكومة لا تملك المال.
علماً بأن أهالي الحي يستطيعون تحديد كمية الحديد المسروق من أساسات منازلهم وهي عملية ليست صعبة التنفيذ ويعلمون من الجهة التي قامت بسرقة الحديد (محمد حمشو) ويطالبون بتحصيل الحقوق بشكل قانوني وفتح صندوق لحي جوبر للتعويض على أهالي الحي في حال قامت الدولة بتحصيل الحقوق من السارقين وخاصة بأنهم متواجدون في قلب العاصمة دمشق.
وعليه يجب التنويه بأن أي مخطط لا يتناسب كلياً مع رغبة الأهالي لن يمر أبداً وستكون طرق عدم إمراره راقية ومدروسة.
أن أهالي الحي والقيادة الشعبية لم تدخر السبل للوصول إلى حل يرضي باقي الأطراف وبقي الرد من المحافظة والحكومة هو عدم الاستماع لمطالب أهالي الحي وإضاعة الوقت أمام أناس عانوا ما عانوه طوال سنوات وما تزال المعاناة قائمة إلى الآن.
وهو ما يجعل المراقبون يتساءلون عن السبب فهل استمرار معاناة الأهالي والضغط عليهم هو بهدف إتمام مخططات سابقة بدأت قبل التحرير بأفراغ بعض أحياء دمشق من أهاليها وسكانها وتفتيت النسيج المجتمعي للأحياء.
وعدم رد المحافظة على كل المحاولات والاقتراحات المقدمة لها يفتح الباب أمام التساؤلات حول الغاية من ذلك، وخاصة بعد إعلان الأهالي استعدادهم لتمويل إعادة إعمار حيهم.
تعقيب قانوني:
الدول الديمقراطية اليوم تقوم على مبدأ سيادة الشعب ويتم تعريف لبديمقراطية كنظام حكم بـ “حكم الشعب للشعب ومن أجل الشعب”، ويكون الطريق لذلك هو العقد الاجنماعي الذي توافق السكان عليه بين بعضهم ليوفروا بيئة صالحة للعيش سوياً وبموجبه منحوا عدداً من الأفراد تخويلاً بتطبيق القوانين التي قام الشعب بصياغتها والتوافق عليها بشكل مباشر ومعاقبة من يخرج عن النظام الذي أقره الشعب نفسه لضمان مصالحه ولضمان أمنه كمجموع وكأفراد أي ضمان المصلحة العامة التي هي مجموع المصالح الخاصة للأفراد والمجتمع.
هذا يقودنا إلى أن أي سلوك من السلطة يخرج عن هذه القاعدة يعتبر غير شرعي من حيث المبدأ الدستوري وكل ما بُني عليه من إجراءات أو عقود أو مراسيم هو باطل من الناحية الإجرائية لأنه لم يراع الإجراء الواجب مراعاته أثناء عملية صنع القرار حتى وإن كانت نتيجة القرار صحيحة وستنتج أثراً صحيحاً.
كما تكون السلطة مسؤولة عن إدارة الموارد الطبيعية للدولة، جمع الضرائب المتناسبة مع حجم الثروة، إدارة أرباح المشاريع الاستثمارية والانتاجية العامة لتتمكن من إنشاء المرافق العامة المهمة لحياة المجموعة، وفي حال كانت الدول رغم ذلك فقيرة فعادةً ما تلجأ إلى الإستدانة من المؤسسات الدولية أو من دولة أخرى (وهذا فيه جانب من الخطورة)، طلب التبرعات غير المشروطة من الدول الغنية أو المنظمات الدولية الإنسانية، طلب تبرعات إضافية من المواطنين الأثرياء، أو خلق فرصى استثمارية جديدة للمستثمر الأجنبي أو الوطني تحقق الربح للشعب وله بشكل عادل ودون بيع مقدرات الدولة (عن طريق عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص).
بشأن حالة حي جوبر:
أولاً: المحافظة (السلطة التنفيذية) تمتنع عن إزالة الركام وفتح الطرقات وإعادة ترميم البنية التحتية الأساسية وبالحدود الدنيا التي تمكّن الأفراد من ترميم منازلهم جزئياً والعودة لحيّهم، وذلك بحجة عدم توافر المال وحاجتها لمستثمر يشترك معها، وهذا الإدعاء منافٍ للواقع فبنظرة بسيطة للاحتفالات ومظاهر البذخ لدى المسؤولين ومعرفة حجم المساعدات التي استلمتها سوريا بعد التحرير والبالغة كحد أدنى 175 مليون يورو من الاتحاد الأوربي كدعم للمؤسسات العامة، وتنشيط الاقتصادات الريفية والحصرية وتعزيز العدالة الانتقالية.
وأيضاً التي وعدت سوريا بعدد من المنح بعد التحرير منها 620 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي في 2026 و2027 كدعم للتعافي وإعادة الإعمار، وهنالك قابلية لوصول مبالغ أخرى مستقبلاً من الاتحاد الأوروبي وجهات دولية أخرى، ولكن الحصول على هذا الدعم مشروط بما يلي:
- الاستقرار الأمني وضمان السلم والأمن الأهليين وتحسين البيئة الاجتماعية الاقتصادية، حيث لاتزال المخاوف تمثل العائق الأبرز أمام أي إعلان رسمي لبدء إعادة الإعمار، خصوصاً في ظل واقع جغرافي وسياسي لم يحسم بالكامل بعد.
- ضرورة بلورة استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار ووجود رؤية واضحة للأولويات ووجود ضمانات بعدم الاستناد في تخصيص الأموال إلى ديناميكيات السوق، التي تركّز الإنفاق في المناطق الحضرية الجاذبة تجارياً على حساب المناطق المتضررة من النزاع والمناطق الريفية.
- العدالة الانتقالية.
- وجود خطة للإصلاح السياسي وتعزيز الحوكمة والشفافية، ودعم وجود مجتمعٍ مدني قويّ قادرٍ على أن يشكّل ثقلًا موازنًا لمن هم في السلطة.
- إصلاح البنية الاقتصادية والمصرفية الهشة.
- تحديث بعض التشريعات الاقتصادية والاستثمارية، لضمان عدم تعميق النيو ليبرالية التي تصبّ في مصلحة طبقة رجال الأعمال وليس في صالح الشعب وعلمية إعادة الإعمار.
نستنتج أن السلطة التنفيذية تمتنع بدون وجه حقّ عن أداء واجبها ممّا يفاقم أزمة الأهالي والضرر الواقع عليهم الذي سيستوجب تعويضهم مستقبلاً بملايين الليرات السورية، وبالتأكيد باقي الشعب السوري هو من سيتحمل تعويضهم من ماله الخاص لسكوته عن مظلوميتهم رغم مناشدتهم لباقي السوريين الذين تمكنوا من العودة لمنازلهم وترميمها، ويضع حول الحكومة إشارات استفهام لماذا تفعل ذلك مع الشعب وخصوصاً من ضحوا؟.
ثانياً: الأصل في عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص (عقود الاستثمار) أن تقوم السلطة التنفيذية وهي المحافظة بتحقيق ودراسة الحالة الراهنة على الأرض من خلال مختصين وعقد جلسات مع أهالي الحي أي الفئة المتأثرة بشكل مباشر من أي مشروع للاطلاع على احتياجاتهم وتطلعاتهم ومقاطعتها مع احتياجات الأحياء المجاورة لهم ولعموم العاصمة دمشق وكذلك مع الخطة الوطنية لإعادة الإعمار.
يكون المخرج خطة تنظيمية كاملة لإعادة إعمار الحي يدمج بين كل ما سبق ويتم وضع بدائل ومرادفات أيضاً (بدائل تخطيطية في حال تغير الفرضيات التي يمكن أن تحدث في المستقبل ومرادفات تخطيطية وهي التباديل والتوافيق بين عناصر المخطط تحت نفس الفرضيات)، ويُرفق بهذه الخطة دراسة جدوى، ومن ثم تُعاد مناقشتها مع الأهالي لتحديد أي بديل ومرادف هو الأمثل لهم لإعادة إعمار الحي وبعدها يتم طرح ما تمّ الاتفاق عليه على المستثمرين من خلال عطاء أو مناقصة ويتم اختيار العرض الأفضل.
ولكن ما فعلته المحافظة لا يحترم أياً ممّا سبق، فلا وجود لخطة وطنية لإعادة الإعمار أصلاً وإنما كل محافظة تفعل ما تراه مناسباً (مع التأكيد على غياب الكفاءات بشكل ملحوظ من التعيينات في المراكز العليا لصناعة القرار) والاعتماد على عينات من زمن العصابة وتعمل بالطرق السابقة نفسها.
ولا مراعاة لرغبة غالبية الشعب السوري بتقليص الاعتماد على الاستثمار الأجنبي وإنما الاعتماد على المستثمر الوطني وعلى قدرة الأهالي البسيطة لإعادة تأهيل أحيائهم ومن ثم تطويرها مع الزمن لتفادي بيع مقدرات البلاد أو الاستدانة
ثالثاً: الأصل أيضاً في عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص (عقود الاستثمار) الشفافية من طرف السلطة التنفيذية، أي يتوجب على المحافظة أن تعرض المشروع المطروح بشكل تفصيلي والأسباب التي جعلتها تعتقد أنه أفضل المشاريع المطروحة للاستثمار في هذا الحي وعليه فالمحافظة قد خالفت الواجب الملقى عليها دستورياً وقانونياً بالشفافية أمام المواطنين والذي تفرضه نظم الحكمالراقية والمتقدمة كشرط أساسي لتمكين المواطنين من الشراكة في اتخاذ القرار بشكل واعٍ.
رابعاً: تجاهلت المحافظة حقاً دستورياً للمواطنين تفرضه الديمقراطية بالاشتراك في القرار، ولهذا قامت الثورة السورية وبذلت الكثير من التضحيات، فأهالي حي جوبر تم تهجيرهم بغالبيتهم وعليه فلم تتم استشارتهم بالمخطط التنظيمي الذي صدر قبل التحرير عام 2022، مع العلم أن هناك دراسات أكاديمية تحذر من تبعات الاستمرار بانتهاج سلوك النظام السابق باعتماد التخطيط العمراني السوري القائم على المركزية والقرار الهرمي، فالسكان لم يمتلكوا، وفق دراسة “التشاركية في إعادة الإعمار” لنور حرستاني وتالة الشامي وإدوار حنا، قنوات كافية للمشاركة الفعلية في صياغة مستقبل أحيائهم، وكان دورهم في كثير من الحالات يقتصر على القبول أو الاعتراض على حلول تم إعدادها مسبقاً. وقد ساهم هذا الوضع في التوسع العشوائي، التهميش الحضري، نشوء مجتمعات غير مخططة، لجوء السكان إلى حلول ذاتية بسبب الثغرات أو غياب التخطيط المناسب.
خاتمة
من موقعه كمنظمة حراك مدني، يوصي التجمع الديمقراطي المدني جميع السوريين أصحاب المطالب بتنظيم جهودهم بصورة مدنية ومنهجية، وتوثيق حقوقهم ومطالبهم، والاستعانة بالخبرات القانونية والفنية، والتشبيك مع أصحاب القضايا المتقاطعة، واستخدام أدوات المناصرة والإعلام والمساءلة للدفاع عن حقوقهم والمشاركة في صنع القرارات التي تمسّ حقوقهم ومصالحهم. كما يؤكد التجمع أهمية المطالبة بشفافية آليات اتخاذ القرار، وفصل السلطات واستقلال القضاء، بوصفها ضمانات مؤسساتية أساسية لحماية الحقوق ومساءلة السلطة التنفيذية ومراجعة قراراتها.
ونعتبر ما يحصل في حي جوبر الدمشقي نموذجاً يحتذى به في هذا المجال.
والخشية قائمة من أن تتابع محافظة دمشق طريقتها غير المقبولة في التعامل مع القيادة الشعبية لملف إعادة إعمار حي جوبر.
التجمع الديمقراطي المدني
