مقال رأي

ما يفعله دونالد ترامب ليس سياسة بل هو كيمياء سوداء

إن ما يفعله دونالد ترامب اليوم ليس سياسة بل هو كيمياء سوداء تخلط الدم بالذهب والنفط بالدين ليخرج لنا ترياقاً يطيل عمر الإمبراطورية العجوز التي بلغت من الكبر عتياً بـ 38 تريليون طعنة في صدر ميزانيتها.

نحن لا نتحدث عن رئيس بل عن سمسار كوني قرر أن يقلب الطاولة على الجميع معتبراً أن العالم ليس سوى “كازينو” كبير هو وحده من يملك مفاتيح خزائنه وهو وحده من يحدد متى يربح المقامرون ومتى يفلسون.
هؤلاء الذين يتحدثون عن القانون الدولي وتوازن القوى ما زالوا يقرأون في كتب التاريخ المهترئة بينما ترامب يكتب التاريخ بـ تويتر (منصة X) وبـ الأمر الواقع حالياً، محولاً ديون أمريكا الفلكية من عبء وطني إلى قنبلة موقوتة يضعها في حضن كل بنك مركزي من بكين إلى الرياض ومن موسكو إلى بروكسل.
إن الفلسفة الترامبية الجديدة تقوم على مبدأ الابتزاز المقدس فهو يدرك أن العالم يرتجف من فكرة انهيار الدولار فيستخدم هذا الخوف كأداة لرفع قيمة الذهب حين يشاء وخفضها حين يشاء محركاً الأساطيل لا لشن الحروب بالضرورة بل لرفع علاوة المخاطر في البورصات العالمية فكلما زاد نباح المدافع زاد بريق الذهب وزادت قيمة المخزون الأمريكي الذي تراكم عبر عقود من النهب المنظم ليقوم في لحظة التجلي الشيطاني ببيع الوهم للعالم وقبض الثمن ذهباً ونفطاً ومعادن استراتيجية تضمن بقاء التفوق الأمريكي لقرن آخر.
هذا الرجل الذي ينظر إلى فنزويلا كأنها محطة وقود خاصة به وإلى ڨرينلاند كأنها قطعة أرض يريد ضمها لحديقة منزله يمارس جغرافيا سياسية عدوانية لا تعترف بالحدود بل بالشهية فهو يرى في مادورو مجرد عائق لوجستي يحول بينه وبين أرخص برميل نفط في التاريخ ويرى في حلفائه صرافات آلية يجب أن تدفع ثمن الهواء الذي تتنفسه تحت المظلة الأمريكية.
إنها البلطجة المنظمة في أبهى صورها حيث يتحول التضخم العالمي إلى ممسحة يمسح بها ديونه وحيث تصبح الأزمات الدولية مجرد ريموت كنترول يتحكم به في أسعار الفضة والنحاس والذهب ليخلق فقاعات سعرية يثقبها في الوقت الذي يناسب ميزانيته تاركاً الشعوب والأنظمة تلهث خلف سراب الاستقرار المالي.
نحن نعيش في عصر السيادة المسلوبة حيث لا تملك الدول والجمهوريات سوى الانتظار لمعرفة مزاج “الدي جي” في البيت الأبيض فبكلمة منه ينهار اقتصاد دول وبغمزة منه تنمو ثروات والضحية دائماً هو ذلك المواطن المطحون الذي يظن أنه يحمي مدخراته بشراء الذهب بينما هو في الحقيقة يمول رحلة إنقاذ الدولار من الغرق دون أن يدرك أنه مجرد “ترس” صغير في ماكينة طحن عالمية تدار بعقلية التاجر الذي لا يخسر أبداً لأنه ببساطة يملك السجن والمصرف والقاضي في آن واحد.
إنها حفلة تنكرية كبرى حيث يرتدي الاستعمار ثوب الصفقات ويتحول النهب إلى تبادل تجاري ومن لا يفهم أننا نعيش في غابة رقمية يحكمها وحش الدولار الجريح فهو إما ساذج أو متواطئ لأن القادم ليس انهياراً لأمريكا كما يروج الحالمون بل هو إعادة تدوير للعبودية العالمية بصيغة اقتصادية لا ترحم ولا تغفر فإما أن تدفع الجزية وأنت صاغر وإما أن تُسحق تحت أقدام الفوضى الخلاقة التي يطبخها ترامب على نار هادئة منتظراً اللحظة التي يعلن فيها للعالم و يقول
لقد سددت ديوني من جيوبكم وشكراً على حسن تعاونكم.
بينما ينشغل العالم بمراقبة تغريدات ترامب وهو يلتهم الذهب والنفط تقف أوروبا اليوم كالأرملة العجوز التي أضاعت مفاتيح قبرها مشلولةً بين فكيّ كماشة، رحمة واشنطن التي لا ترحم وعربدة موسكو التي لا تغفر.
إن الاتحاد الأوروبي الذي صدعوا رؤوسنا به كقوة عظمى ثالثة تبين في عام 2026
أنه ليس أكثر من محمية اقتصادية تدار ببريموت كنترول من المكتب البيضاوي حيث يقف قادة دافوس كالتلاميذ البليدين أمام سبورة ترامب يشاهدون ثرواتهم وصناعاتهم وهي تهاجر عبر الأطلسي بحثاً عن طاقة رخيصة وأمان مفقود.
ترامب لا يريد تدمير أوروبا بل يريد تفكيكها وإعادة بيعها كقطع غيار فهو يدرك أن اليورو هو الخطر الكامن تحت رماد الدولار لذا فإن سياسته تقوم على تجفيف منابع القوة الأوروبية وتحويل برلين وباريس إلى مجرد مكاتب جباية تجمع الضرائب لتدفعها ثمناً للأسلحة الأمريكية والغاز المسال المسروق من أحلام الفقراء.
إنها عملية خصاء سياسي شاملة حيث لم يعد بإمكان ماكرون أو شولتس العطس دون استئذان من الكابوي البرتقالي الذي يهددهم كل صباح بسحب مظلة الناتو أو فرض جمارك تجعل مرسيدس وإيرباص مجرد خردة في متاحف التاريخ.
أوروبا اليوم ليست لاعباً بل هي الملعب الذي تُصفى فيه حسابات الكبار وهي الضحية الغبية التي تمول حصار نفسها بنفسها ظناً منها أنها تدافع عن القيم الليبرالية بينما هي في الحقيقة تدافع عن حق أمريكا في نهبها حتى آخر يورو.
وعلى الضفة الأخرى نرى الرد الانتحاري الذي يطبخه التنين الصيني مع الدب الروسي وهو رد لا يشبه الحروب الكلاسيكية بل هو انتحار استراتيجي لكسر القفص الأمريكي. الصين التي أدركت أن ترامب قرر إفلاسها عبر التضخم المصطنع في أسعار المعادن بدأت تتحرك نحو الخيار النووي المالي وهو التخلص الجماعي من سندات الخزانة الأمريكية حتى لو أدى ذلك لاهتزاز اقتصادها هي الأخرى في عملية أشبه بمن يفجر نفسه ليقتل عدوه معه.
إننا نشهد ولادة عملة الضرورة بين بكين وموسكو
عملة ليست مدعومة بالثقة المهتزة بل بالرصاص والقمح واليورانيوم في محاولة يائسة لكسر طوق الذهب الذي يلفه ترامب حول أعناقهم.
هذا الصدام ليس صراعاً على الحدود بل هو حرب وجودية على من يملك حق تسعير الحياة على هذا الكوكب.
فإما أن ينجح الشرق في خلق ثقب أسود مالي يبتلع هيمنة الدولار وإما أن يطبق ترامب خطته ويحول روسيا والصين إلى مجرد مناجم ومزارع تخدم الإمبراطورية الأمريكية الجديدة.
العالم اليوم يقف على حافة الهاوية والجميع يرقص تانغو الموت و ترامب يشد الحبل والصين تحاول قطع الغصن الذي يقف عليه الجميع وأوروبا تسقط في الفراغ وهي تتساءل متى نسينا أن نكون أسياداً!!.
الحقيقة المرة التي لا يريد أحد سماعها هي أننا لسنا أمام نظام عالمي جديد بل نحن أمام فوضى منظمة يقودها رجل واحد قرر أن يكون هو القدر في زمن صار فيه القمار هو السياسة والنهب هو الاقتصاد والانتحار هو الحل الوحيد للهروب من عبودية الـ 38 تريليون دولار.
في هذه المعمعة الكونية التي يقودها مايسترو الدمار في البيت الأبيض يقف النظام الرسمي العربي كالأطرش في الزفة أو كالمتفرج الذي يظن أن الحريق في بيت جاره لن يصل إلى ستائر منزله.
إن العواصم العربية من المحيط إلى الخليج ليست سوى مصدات صدمات في صراع الأفيال هذا.
فهي إما خزائن مفتوحة تضخ السيولة لترميم تصدعات الدولار أو ساحات تجارب لتصريف الأزمات الجيوسياسية. العرب اليوم يعيشون وهم الحياد الإيجابي بينما الحقيقة أنهم يغرقون في التبعية السلبية.
فثرواتهم النفطية التي كانت يوماً سلاحاً تحولت في زمن ترامب إلى رهينة يسحب منها ما يشاء وقتما يشاء تحت مسمى الحماية أو اتفاقيات القرن.
نحن نرى دولاً عربية تهرول لشراء الذهب بالأسعار التي نفخها ترامب ظناً منها أنها تؤمن مستقبلها بينما هي في الواقع تشتري بضاعة أمريكية مُعاداً تدويرها بأسعار خيالية لتكتشف في النهاية أنها مولت سداد ديون واشنطن من عرق أجيالها القادمة.
إنها المظلمة الكبرى حيث يتحول النفط العربي إلى مجرد وقود في محرك الإمبراطورية التي لا تشبع وحيث تصبح السيادة الوطنية مجرد فولكلور يُعرض في القمم العربية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
وعلى هامش هذا التيه، يبرز الثقب الأسودالجديد “العملات الرقمية والسراب التكنولوجي”.
لقد اخترعوا لنا البيتكوين وأخواتها لتكون كنيسة مالية جديدة يهرب إليها اليائسون من جحيم الدولار والذهب لكنهم لم يدركوا أن من يملك كابلات الإنترنت ومن يسيطر على خوارزميات الذكاء الاصطناعي هو نفسه الكابوي الذي يملك المطبعة.
إن الهروب العربي نحو الرقمنة المالية ليس سوى قفزة من المقلاة إلى النار.
فبينما يظن الشاب العربي أو المستثمر المحلي أنه يحمي “فلوسه” في محفظة إلكترونية بعيدة عن رقابة البنوك هو في الحقيقة يضع ثروته في سحابة يمكن لواشنطن بضغطة زر واحدة وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو العقوبات الدولية أن تمحيها من الوجود وكأنها لم تكن.
إن ترامب يراقب هذا الزحف نحو العملات الرقمية بابتسامة صفراء لأنه يعلم أن هذه العملات هي الفخ النهائي
فهي تجرد الشعوب من آخر معاقل سيادتها النقدية وتحول الثروة من مادة ملموسة إلى وهم رقمي يسهل تبخيره عند أول صدام حقيقي.
نحن ننتقل من عبودية الورق الأخضر إلى عبودية الكود البرمجي والعرب في الحالتين هم المستهلك الأخير الذي يدفع الثمن دائماً غافلين عن أن القوة الحقيقية في عام 2026 لا تكمن في شاشة الهاتف ولا في سبائك الذهب المبالغ في سعرها بل في امتلاك رغيف الخزينة واستقلال الإرادة وهو ما أضاعه العرب في دهاليز التبعية المقيتة.
الأستاذ عماد عيساوي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى